المتعلم الحركي: خصائصه واستراتيجيات تعليمه ودور الحركة في تحسين التعلم
مقدمة
يختلف المتعلمون في الطريقة التي يتفاعلون بها مع المعرفة والمواقف التعليمية. فهناك من يفضل القراءة والكتابة، ومن يستفيد كثيراً من الصور والرسوم والتوضيحات البصرية، بينما يميل بعض المتعلمين إلى التعلم من خلال الممارسة والتجربة والحركة والتفاعل المباشر مع الأشياء. ويُطلق على هذا النوع في الأدبيات التربوية الشائعة اسم المتعلم الحركي.
ويرتبط مفهوم المتعلم الحركي بفكرة أن بعض المتعلمين يجدون صعوبة في الاستفادة من التعلم الذي يعتمد حصرياً على الاستماع أو القراءة، بينما يكونون أكثر تفاعلاً عندما تتاح لهم فرصة المشاركة العملية، والتجريب، واستخدام الأدوات، والقيام بالأنشطة التي تتطلب حركة أو تطبيقاً مباشراً.
ومع ذلك، من المهم التعامل مع هذا المفهوم بحذر؛ فالأبحاث التربوية لا تدعم فكرة أن كل متعلم يمتلك "نمط تعلم" ثابتاً يجب أن تُقدَّم له جميع المعلومات وفقه. لذلك، فإن الحديث عن المتعلم الحركي يكون أكثر فائدة عندما يُفهم باعتباره تفضيلاً أو ميلاً نحو التعلم النشط والعملي، وليس تصنيفاً ثابتاً يحدد قدرات المتعلم أو يفرض طريقة واحدة للتدريس.
ما المقصود بالمتعلم الحركي؟
المتعلم الحركي هو المتعلم الذي يميل إلى فهم الأفكار واكتساب المهارات من خلال التجربة والممارسة والتفاعل المباشر. فهو لا يكتفي غالباً بسماع شرح نظري أو قراءة معلومة، وإنما يستفيد بشكل أكبر عندما يتمكن من تطبيقها في موقف عملي.
فعلى سبيل المثال، قد يجد المتعلم صعوبة في فهم مفهوم علمي بمجرد قراءة تعريفه في الكتاب، لكنه يستوعبه بشكل أفضل عندما يقوم بتجربة بسيطة أو يستخدم نموذجاً توضيحياً أو يشارك في نشاط عملي.
ولا تعني هذه الصفة أن المتعلم الحركي لا يستطيع التعلم من خلال القراءة أو الاستماع، وإنما تعني أن النشاط والممارسة قد يكونان وسيلتين فعالتين لزيادة مشاركته وفهمه، خصوصاً في الموضوعات التي تسمح بالتطبيق العملي.
أبرز خصائص المتعلم الحركي
يمكن ملاحظة مجموعة من السمات التي تظهر لدى المتعلمين الذين يميلون إلى التعلم العملي والحركي، مع التأكيد على أن هذه السمات ليست قواعد ثابتة تنطبق على جميع الأفراد.
1. تفضيل التعلم من خلال الممارسة
يميل المتعلم الحركي إلى التعلم بطريقة "افعل ثم افهم". فعندما يشارك في تجربة أو نشاط أو مشروع، يصبح أكثر قدرة على الربط بين المفاهيم النظرية والتطبيق الواقعي.
2. الاستفادة من الأنشطة العملية
تجذب الأنشطة التي تتطلب استخدام اليدين أو الأدوات أو الحركة اهتمام هذا المتعلم، مثل التجارب العلمية، والألعاب التعليمية، والأنشطة الفنية، والمشروعات التطبيقية.
3. التفاعل والمشاركة
غالباً ما يكون المتعلم أكثر انخراطاً عندما يُطلب منه القيام بدور فعال بدلاً من الاكتفاء بالاستماع إلى شرح طويل. ولذلك يمكن أن تساعد المناقشات والتمثيل ولعب الأدوار والعمل الجماعي على زيادة مشاركته.
4. التعلم من الخطأ والتجربة
قد يستفيد المتعلم الحركي كثيراً من التجربة والخطأ. فعندما يجرب حلاً معيناً ثم يكتشف النتيجة، يستطيع تعديل طريقته وبناء فهم أكثر ارتباطاً بالتجربة الواقعية.
5. الحاجة إلى التنوع في النشاط
قد يفقد بعض المتعلمين اهتمامهم عندما تستمر الحصة لفترة طويلة في نشاط واحد، خصوصاً إذا كان النشاط قائماً على الاستماع السلبي فقط. لذلك يمكن أن يساعد التنويع بين الشرح والممارسة والمناقشة والتطبيق على الحفاظ على الانتباه.
المتعلم الحركي داخل الفصل الدراسي
يطرح وجود متعلم يميل إلى النشاط والممارسة تحدياً مهماً أمام المدرس، خصوصاً في الأقسام التي تعتمد بشكل كبير على المحاضرة والشرح المباشر.
لكن الحل لا يتمثل في تحويل كل حصة إلى نشاط حركي، وإنما في تنويع طرق التدريس وإتاحة فرص مختلفة للمشاركة. فحتى درس الرياضيات، مثلاً، يمكن أن يتضمن نشاطاً عملياً لحل مشكلة، ودرس العلوم يمكن أن يتضمن تجربة، ودرس اللغة يمكن أن يستفيد من لعب الأدوار والتمثيل.
كما يمكن تقسيم الحصة إلى مراحل قصيرة نسبياً: تقديم الفكرة، ثم مناقشتها، ثم تطبيقها، ثم تقويم الفهم. ويساعد هذا التنظيم على تحويل المتعلم من مستهلك للمعلومة إلى مشارك في بنائها.
أفضل الاستراتيجيات لتعليم المتعلم الحركي
أولاً: التعلم بالممارسة
تُعد الممارسة من أكثر الأساليب ملاءمة للمتعلمين الذين يفضلون النشاط العملي. فبعد تقديم المفهوم الأساسي، يمكن للمدرس أن يطلب من المتعلمين تطبيقه من خلال تمرين أو تجربة أو مهمة عملية.
والهدف ليس إضافة نشاط لمجرد الحركة، وإنما جعل الحركة والممارسة جزءاً من عملية بناء المعرفة.
ثانياً: التعلم القائم على المشاريع
تمنح المشاريع التعليمية المتعلم فرصة للعمل على مشكلة أو منتج أو مهمة حقيقية خلال فترة زمنية محددة. ويمكن أن تتضمن جمع المعلومات، والتخطيط، والتجريب، وصنع نموذج، وتقديم النتائج.
ويتميز هذا الأسلوب بأنه يجمع بين المعرفة النظرية والمهارات العملية، ويمنح المتعلم دوراً أكثر نشاطاً في العملية التعليمية.
ثالثاً: التجارب والمحاكاة
في المواد العلمية، يمكن استخدام التجارب والمختبرات والمحاكاة الرقمية لتوضيح المفاهيم المجردة. فبدلاً من تقديم المعلومة بشكل نظري فقط، يمكن للمتعلم أن يلاحظ الظاهرة ويجرب المتغيرات ويقارن النتائج.
وتساعد المحاكاة الرقمية أيضاً عندما يكون إجراء التجربة الحقيقية مكلفاً أو خطيراً أو غير ممكن داخل الفصل.
رابعاً: لعب الأدوار
يمكن استخدام لعب الأدوار في العديد من المواد، وليس فقط في المواد الأدبية. ففي التاريخ، يمكن للمتعلمين تمثيل شخصيات أو أحداث تاريخية، وفي اللغات يمكن تمثيل مواقف التواصل اليومية، وفي التربية المدنية يمكن محاكاة جلسة نقاش أو اتخاذ قرار.
ويمنح هذا الأسلوب المتعلم فرصة للتفاعل مع المعرفة بطريقة اجتماعية وعملية.
خامساً: الألعاب التعليمية
يمكن للألعاب التعليمية أن تحول بعض المفاهيم المجردة إلى تحديات عملية. ويمكن تصميم ألعاب فردية أو جماعية تتطلب حل المشكلات، أو ترتيب المعلومات، أو اتخاذ القرارات.
لكن نجاح اللعبة التعليمية لا يقاس بمدى متعتها فقط، بل بقدرتها على تحقيق هدف تعلم واضح.
سادساً: استخدام النماذج والأدوات
يمكن أن تساعد النماذج الملموسة على تقريب المفاهيم التي يصعب تصورها. ففي العلوم والهندسة والجغرافيا، يمكن استخدام المجسمات والخرائط والنماذج ثلاثية الأبعاد.
كما يمكن للمتعلمين أنفسهم صناعة بعض النماذج، وهو ما يجعلهم أكثر انخراطاً في عملية التعلم.
دور المعلم في دعم المتعلم الحركي
لا يتمثل دور المعلم في البحث عن "طريقة خاصة" بكل متعلم، وإنما في تصميم بيئة تعليمية متنوعة تسمح بمشاركة أكبر عدد ممكن من المتعلمين.
ومن المفيد أن يقوم المعلم بـ:
تنويع أنشطة الحصة بين الشرح والممارسة والتفاعل.
ربط المفاهيم النظرية بمواقف واقعية.
إعطاء المتعلمين فرصاً للتجريب وحل المشكلات.
استخدام المشاريع والأنشطة الجماعية عند ملاءمتها للهدف التعليمي.
السماح للمتعلمين بعرض المعرفة بطرق متعددة.
تقديم تعليمات واضحة قبل الأنشطة العملية.
تقويم الفهم، وليس مجرد المشاركة في النشاط.
ومن المهم أيضاً ألا يُنظر إلى المتعلم كثير الحركة على أنه بالضرورة "غير منتبه" أو "مشاغب". فقد تكون حاجته إلى التفاعل والحركة جزءاً من طريقة مشاركته في التعلم، لكن ذلك لا يعني إعفاءه من قواعد القسم أو من متطلبات التركيز والانضباط.
المتعلم الحركي والتكنولوجيا
وفرت التكنولوجيا الحديثة فرصاً جديدة للتعلم العملي. فالمتعلم يستطيع استخدام المحاكاة التفاعلية، والمختبرات الافتراضية، والواقع المعزز، والواقع الافتراضي، وبرامج التصميم والنمذجة.
كما يمكن استخدام الفيديوهات التفاعلية والمنصات التعليمية التي تتطلب من المتعلم اتخاذ قرارات أو حل مشكلات بدلاً من مشاهدة المحتوى بشكل سلبي.
لكن التكنولوجيا لا تكون مفيدة لمجرد استخدامها؛ إذ ينبغي أن تكون مرتبطة بهدف تعليمي واضح. فالنشاط الرقمي الجيد هو الذي يجعل المتعلم يفكر ويجرب ويحلل ويطبق، وليس مجرد نشاط بصري جذاب.
هل المتعلمون الحركيون نوع مستقل من المتعلمين؟
هنا تبرز نقطة مهمة في فهم مفهوم المتعلم الحركي. فقد انتشرت فكرة أن كل شخص ينتمي إلى نمط محدد، مثل بصري أو سمعي أو حركي، وأن التعلم يصبح أكثر فعالية عندما نقدم المعلومة وفق النمط الذي ينتمي إليه الفرد.
لكن الأدلة العلمية لا تدعم بشكل قوي فكرة أن تصنيف المتعلمين إلى أنماط ثابتة ثم مطابقة التدريس معها يؤدي بالضرورة إلى تحسين التعلم.
ولهذا، فمن الأفضل استخدام مفهوم "المتعلم الحركي" بطريقة مرنة، أي باعتباره وصفاً لتفضيل بعض المتعلمين للأنشطة العملية والتفاعلية، مع الاستمرار في تقديم المعلومات بطرق متعددة.
فالطالب نفسه قد يستفيد من الرسم في درس، ومن القراءة في درس آخر، ومن التجربة العملية في موقف ثالث. كما أن طبيعة المادة التعليمية نفسها تحدد أحياناً أفضل طريقة لتقديمها.
أهمية التعلم النشط لجميع المتعلمين
من الخطأ الاعتقاد أن الأنشطة الحركية مفيدة فقط للمتعلمين الذين يوصفون بالحركيين. فالتعلم النشط يمكن أن يكون مفيداً لمجموعة واسعة من المتعلمين، لأنه يمنحهم فرصة لمعالجة المعلومات وتطبيقها واسترجاعها في سياقات مختلفة.
فعندما يشارك المتعلم في حل مشكلة أو إجراء تجربة أو بناء نموذج، فإنه لا يستقبل المعلومة فقط، بل يستخدمها في موقف يتطلب التفكير واتخاذ القرار.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية للتعلم الحركي لا تكمن في تصنيف المتعلم، وإنما في الاستفادة من الممارسة والتجربة والتطبيق باعتبارها مكونات مهمة في التعليم الفعال.
خاتمة
المتعلم الحركي هو المتعلم الذي يميل إلى الاستفادة من التجربة والممارسة والتفاعل العملي مع المعرفة. ويمكن أن تظهر هذه الميول في تفضيله للمشاريع والتجارب ولعب الأدوار والنماذج والألعاب والأنشطة التي تتطلب مشاركة مباشرة.
غير أن التعامل التربوي الحديث مع هذا المفهوم ينبغي أن يتجاوز فكرة تصنيف المتعلمين في أنماط ثابتة. فليس الهدف أن نقول إن هذا الطالب "حركي" وبالتالي يجب أن يتعلم بطريقة واحدة، وإنما أن نوفر له، ولغيره من المتعلمين، بيئة تعليمية متنوعة تجمع بين الشرح والملاحظة والقراءة والمناقشة والممارسة والتطبيق.
إن أفضل تعليم هو الذي يجعل المتعلم مشاركاً فعالاً في بناء المعرفة، ويمنحه فرصاً للتجريب وحل المشكلات وربط المفاهيم بالواقع. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يكون الاهتمام بالجانب الحركي والعملي في التعليم وسيلة مهمة لتعزيز المشاركة والفهم، خصوصاً عندما يُستخدم ضمن استراتيجية تربوية متوازنة تراعي طبيعة المادة وأهداف التعلم واحتياجات المتعلمين المختلفة.

تعليقات
إرسال تعليق