القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

قضايا التربية والتكوين

 

قضايا التربية والتكوين: رهانات الإصلاح وتحديات الارتقاء بجودة المدرسة المغربية





مقدمة

تحتل التربية والتكوين مكانة استراتيجية في بناء المجتمعات الحديثة، باعتبارهما المدخل الأساسي لإعداد الرأسمال البشري القادر على الإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالتعليم لم يعد مجرد وسيلة لنقل المعارف، بل أصبح رافعة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وترسيخ قيم المواطنة، وتنمية الكفايات اللازمة للاندماج في مجتمع المعرفة. وانطلاقًا من هذه الأهمية، شهد قطاع التربية والتكوين بالمغرب سلسلة من الإصلاحات المتتالية، كان من أبرزها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، والقانون الإطار رقم 51.17، ثم خارطة الطريق 2022-2026، التي جعلت تحسين جودة التعلمات في صلب أولوياتها.

ورغم الجهود المبذولة، لا تزال المنظومة التربوية تواجه مجموعة من القضايا والإشكالات المرتبطة بالحكامة، وجودة التعلمات، والإنصاف، والتكوين، والتحول الرقمي، والتقويم، مما يفرض مواصلة الإصلاح وفق رؤية شمولية تجعل المتعلم محور العملية التعليمية، وتؤمن بأن جودة المدرسة رهينة بجودة الفاعلين التربويين، وحسن تدبير الموارد، ونجاعة السياسات العمومية.

أولا: مفهوم قضايا التربية والتكوين

يقصد بقضايا التربية والتكوين مختلف الإشكالات والتحديات التي تؤثر في أداء المنظومة التربوية، سواء تعلق الأمر بالتدبير الإداري، أو المناهج الدراسية، أو تكوين الأطر التربوية، أو التقويم، أو الحكامة، أو تحقيق تكافؤ الفرص. وهي قضايا متجددة تتأثر بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، مما يقتضي تطوير السياسات التعليمية باستمرار لمواكبة حاجيات المجتمع وسوق الشغل.

وتتميز هذه القضايا بكونها مترابطة؛ فضعف التكوين، على سبيل المثال، ينعكس على جودة التدريس، بينما يؤثر ضعف الحكامة في تدبير الموارد، ويؤدي غياب التقويم الفعال إلى صعوبة تحسين التعلمات. ومن ثم، فإن معالجة هذه القضايا تتطلب مقاربة نسقية تراعي مختلف مكونات المنظومة.

ثانيا: جودة التعلمات باعتبارها القضية المركزية

أصبحت جودة التعلمات اليوم المعيار الحقيقي لنجاح أي إصلاح تربوي، إذ لم يعد الهدف يقتصر على تعميم التمدرس، بل أصبح التركيز منصبًا على ضمان تعلم فعلي يمكن المتعلم من امتلاك الكفايات الأساسية في القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم، إضافة إلى المهارات الحياتية والرقمية.

وتتأثر جودة التعلمات بعوامل متعددة، من أهمها كفاءة المدرس، وملاءمة المناهج، وفعالية التقويم، وجودة الموارد التعليمية، والمناخ المدرسي، والانخراط الإيجابي للأسر. لذلك، فإن تحسين نتائج المتعلمين يقتضي اعتماد ممارسات بيداغوجية حديثة، تقوم على التعلم النشط، والدعم التربوي، والتقويم التكويني، ومراعاة الفروق الفردية.

ثالثا: الإنصاف وتكافؤ الفرص

يشكل الإنصاف أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام التربوي، ويقصد به تمكين جميع المتعلمين من الولوج إلى تعليم جيد، بغض النظر عن أوضاعهم الاجتماعية أو الجغرافية أو الاقتصادية.

ورغم التقدم المسجل في تعميم التعليم، ما تزال بعض الفوارق قائمة بين الوسطين الحضري والقروي، وبين المؤسسات من حيث التجهيزات والموارد البشرية والخدمات الداعمة. كما تواجه بعض الفئات، مثل الأطفال في وضعية إعاقة أو المنحدرين من أوساط هشة، صعوبات في الاستفادة الكاملة من حقهم في التعليم.

ولذلك، فإن تحقيق الإنصاف يقتضي تعزيز برامج الدعم الاجتماعي، وتحسين البنيات التحتية، وتطوير المدرسة الدامجة، وتوفير الموارد اللازمة لضمان تعليم ذي جودة للجميع.

رابعا: الحكامة الجيدة وتدبير المؤسسات التعليمية

تعد الحكامة من أهم مرتكزات الإصلاح التربوي، لأنها تضمن حسن تدبير الموارد البشرية والمالية، وترشيد اتخاذ القرار، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وتقوم الحكامة التربوية على مبادئ الشفافية، والمشاركة، والتخطيط الاستراتيجي، والتقييم المستمر، وتدبير النتائج. كما تتطلب تعزيز استقلالية المؤسسات التعليمية، وتمكينها من وضع مشاريع مؤسسات منسجمة مع خصوصيات محيطها، مع إشراك مختلف الفاعلين من أطر تربوية وإدارية، وجمعيات الآباء، والجماعات الترابية، والشركاء.

إن المؤسسة التعليمية الناجحة ليست فقط تلك التي تتوفر على الإمكانات المادية، بل هي التي تحسن توظيف هذه الإمكانات في خدمة التعلمات وتحقيق أهداف المشروع التربوي.

خامسا: تكوين الأطر التربوية والتطوير المهني

لا يمكن الحديث عن مدرسة الجودة دون الاستثمار في العنصر البشري، باعتباره المحرك الأساسي للإصلاح. فالمدرس الناجح يحتاج إلى تكوين أساسي متين، يواكبه تكوين مستمر يمكنه من مواكبة المستجدات البيداغوجية والديداكتيكية والرقمية.

ويشمل التطوير المهني مجالات متعددة، منها التخطيط للتعلمات، والتقويم، والتدبير الصفي، واستعمال الوسائل الرقمية، والتربية الدامجة، والبحث الإجرائي، والعمل التشاركي.

كما يضطلع المفتش التربوي بدور محوري في هذا المجال، من خلال التأطير والمواكبة، وتشخيص الحاجيات التكوينية، وتقويم الممارسات المهنية، وتشجيع تبادل الخبرات بين المدرسين.

سادسا: التحول الرقمي والابتكار التربوي

فرضت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا على المدرسة، حيث أصبحت التكنولوجيا عنصرًا أساسيًا في تحسين جودة التعليم وتوسيع فرص التعلم.

ويتيح التحول الرقمي إمكانيات كبيرة، مثل التعليم المدمج، وإنتاج الموارد الرقمية، واستثمار المنصات التعليمية، وتحليل المعطيات التربوية، وتطوير التقويم الإلكتروني.

غير أن نجاح هذا التحول يظل رهينًا بتوفير التجهيزات، وتأهيل البنيات التحتية، وتكوين المدرسين، وضمان الاستعمال الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، حتى تتحول الوسائل الرقمية إلى أدوات حقيقية لتحسين التعلمات، وليس مجرد وسائل تقنية.

سابعا: التقويم ودوره في تحسين التعلمات

يمثل التقويم عنصرًا أساسيًا في العملية التعليمية، لأنه يوفر معطيات دقيقة حول مستوى المتعلمين، ويساعد على اتخاذ القرارات المناسبة لتحسين التعلمات.

ولم يعد التقويم يقتصر على الامتحانات النهائية، بل أصبح يشمل التقويم التشخيصي، والتكويني، والإجمالي، مع التركيز على توظيف نتائجه في بناء خطط للدعم والمعالجة.

كما يعتمد التقويم الحديث على تنويع أدوات القياس، كالاختبارات، والروائز، والمشاريع، والملفات، والملاحظة المباشرة، بما يتيح تقويمًا أكثر شمولية وإنصافًا.

ثامنا: المدرسة المواطنة والمنفتحة

تتجاوز وظيفة المدرسة تلقين المعارف إلى تنشئة المواطن الصالح، القادر على التفاعل الإيجابي مع محيطه، واحترام القانون، وقبول الاختلاف، والمساهمة في التنمية.

ولهذا، تعمل المدرسة على ترسيخ قيم المواطنة، وحقوق الإنسان، والمساواة، والتضامن، والحفاظ على البيئة، والانفتاح على اللغات والثقافات، مع تشجيع المبادرات الإبداعية والعمل الجماعي.

وتكتسي الحياة المدرسية أهمية خاصة في هذا الإطار، لأنها تتيح للمتعلمين ممارسة هذه القيم داخل المؤسسة، من خلال الأندية التربوية، والأنشطة الثقافية والرياضية، والمشاريع البيئية والتطوعية.

خاتمة

تشكل قضايا التربية والتكوين محورًا أساسيًا في مسار إصلاح المدرسة المغربية، باعتبارها ترتبط مباشرة بجودة الرأسمال البشري، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز التنافسية الوطنية. ورغم ما تحقق من مكتسبات، فإن التحديات المطروحة تستدعي مواصلة الإصلاح وفق رؤية تشاركية، تجعل المتعلم في قلب العملية التعليمية، وتستثمر في تكوين الموارد البشرية، وتدعم الحكامة الجيدة، وتستثمر التحول الرقمي، وترسخ ثقافة التقويم والتحسين المستمر.

إن بناء مدرسة الجودة والإنصاف والارتقاء مسؤولية جماعية تتقاسمها الدولة والمؤسسات التعليمية والأسر والمجتمع المدني، كما أن نجاح الإصلاح يظل رهينًا بمدى انخراط جميع الفاعلين في تنزيل المشاريع التربوية بروح المسؤولية والابتكار. وفي هذا السياق، يبرز دور المفتش التربوي باعتباره قائدًا للتغيير ومواكبًا للتطوير المهني، يسهم في تجويد الممارسات التربوية وتحقيق مدرسة قادرة على إعداد أجيال متمكنة من الكفايات، ومتشبعة بقيم المواطنة، ومؤهلة لمواجهة تحديات المستقبل.

تعليقات