القائمة الرئيسية

الصفحات

اخر الاخبار

المرجعيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لمنظومة التربية والتكوين

 

المرجعيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لمنظومة التربية والتكوين 





مقدمة

تُعد منظومة التربية والتكوين من الركائز الأساسية لتحقيق التنمية المستدامة وبناء مجتمع المعرفة، إذ تضطلع المدرسة بدور محوري في إعداد الرأسمال البشري وتأهيله لمواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية. ومن أجل ضمان حسن سير هذه المنظومة وتحقيق أهدافها، عمل المغرب على إرساء إطار قانوني وتنظيمي متكامل يؤطر مختلف مكوناتها، بدءًا من المبادئ الدستورية، مرورًا بالقوانين الإطار، ووصولًا إلى المراسيم والقرارات التنظيمية والمذكرات الوزارية. وتستهدف هذه المرجعيات توحيد الرؤية، وتحديد المسؤوليات، وضمان الحق في تعليم جيد ومنصف للجميع.

ويكتسي موضوع المرجعيات القانونية والتنظيمية أهمية بالغة بالنسبة لمختلف الفاعلين التربويين، باعتباره الإطار الذي تستند إليه السياسات التعليمية، وتُبنى عليه البرامج والمناهج وآليات التدبير والحكامة. لذلك، فإن دراسة هذه المرجعيات تمكن من فهم الأسس التي تقوم عليها الإصلاحات التربوية بالمغرب، والوقوف على أدوار المؤسسات المعنية بتدبير الشأن التربوي.

أولاً: المرجعية الدستورية لمنظومة التربية والتكوين

يشكل دستور المملكة المغربية لسنة 2011 المرجع القانوني الأعلى الذي يؤطر منظومة التربية والتكوين، حيث نص في الفصل 31 على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة.

كما أكد الدستور على مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والحكامة الجيدة، وهي مبادئ تشكل الأساس الذي تستند إليه مختلف الإصلاحات التربوية. ويؤكد كذلك على أهمية ترسيخ الهوية الوطنية، والانفتاح على القيم الكونية، واحترام حقوق الإنسان، وهي قيم تنعكس في المناهج الدراسية والبرامج التعليمية.

ثانياً: القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي

يعتبر القانون الإطار رقم 51.17 الصادر سنة 2019 أهم مرجعية قانونية تنظم قطاع التربية والتكوين بالمغرب، إذ جاء لترجمة الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015-2030) إلى مقتضيات قانونية ملزمة.

ويهدف هذا القانون إلى تحقيق مجموعة من الغايات، من أبرزها:

  • ضمان الحق في تعليم إلزامي وجيد ومنصف.

  • إرساء مدرسة قائمة على الإنصاف وتكافؤ الفرص.

  • تحسين جودة التعلمات والرفع من مردودية المنظومة.

  • تطوير الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

  • تنويع مصادر تمويل المنظومة مع الحفاظ على مجانية التعليم الإلزامي.

  • تعزيز مكانة اللغات الوطنية والانفتاح على اللغات الأجنبية.

  • تشجيع البحث العلمي والابتكار.

كما نص القانون الإطار على مجموعة من المبادئ المؤطرة، من بينها الإنصاف والجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع، وربط المدرسة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي، وإرساء آليات للتقييم المستمر وتتبع تنفيذ الإصلاحات.

ثالثاً: الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030

رغم أن الرؤية الاستراتيجية ليست قانونًا بالمعنى التشريعي، فإنها تمثل المرجعية الوطنية الأساسية التي استند إليها القانون الإطار، وقد أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي تحت شعار "من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء".

وترتكز هذه الرؤية على ثلاث دعامات كبرى:

  • الإنصاف وتكافؤ الفرص.

  • الارتقاء بجودة التربية والتكوين.

  • الحكامة والتعبئة المجتمعية.

كما دعت إلى إصلاح شامل للمناهج الدراسية، وتطوير التكوين الأساس والمستمر للأطر التربوية، واعتماد التدبير المبني على النتائج، مع تعزيز استقلالية المؤسسات التعليمية وتحقيق الانفتاح على المحيط.

رابعاً: النصوص التنظيمية المؤطرة للمنظومة

إلى جانب القوانين، تعتمد منظومة التربية والتكوين على مجموعة من النصوص التنظيمية التي توضح كيفية تطبيق المقتضيات القانونية، ومن أهمها:

1. المراسيم الحكومية

تصدر الحكومة مراسيم لتنظيم مختلف الجوانب المرتبطة بالمنظومة، مثل تنظيم الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وتحديد اختصاصاتها، وتنظيم مباريات التوظيف، والتكوين، والتقييم، ونظام الدراسة والامتحانات.

2. القرارات الوزارية

تصدر وزارة التربية الوطنية قرارات تنظيمية تحدد كيفيات تنفيذ المراسيم والقوانين، وتشمل تنظيم السنة الدراسية، والمناهج، والبرامج، وشروط التقويم، والامتحانات الإشهادية، وتنظيم الحياة المدرسية.

3. المذكرات الوزارية

تشكل المذكرات الوزارية أداة تنظيمية أساسية لتوحيد الممارسات داخل المؤسسات التعليمية، حيث تقدم توجيهات دقيقة حول مختلف العمليات التربوية والإدارية، مثل:

  • تنظيم الدخول المدرسي.

  • التقويم والدعم التربوي.

  • التربية الدامجة.

  • الأنشطة الموازية.

  • استعمال الزمن.

  • تدبير الموارد البشرية.

  • مشاريع المؤسسات.

وتتميز هذه المذكرات بالمرونة، إذ يتم تحيينها باستمرار لمواكبة المستجدات التربوية.

خامساً: دور المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي

يعد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي مؤسسة دستورية تضطلع بأدوار استشارية وتقييمية في مجال التربية والتكوين.

وتتمثل أهم اختصاصاته في:

  • إعداد الدراسات والتقارير المتعلقة بالمنظومة.

  • تقديم الآراء الاستشارية للحكومة والبرلمان.

  • تقييم السياسات العمومية التعليمية.

  • اقتراح الإصلاحات الكفيلة بتطوير المنظومة.

  • تتبع تنفيذ الرؤية الاستراتيجية.

وقد ساهم المجلس بشكل كبير في بلورة الرؤية الاستراتيجية التي أصبحت المرجع الأساسي لإصلاح التعليم بالمغرب.

سادساً: الحكامة كمرجعية تنظيمية

أصبحت الحكامة الجيدة من المبادئ الأساسية المؤطرة لمنظومة التربية والتكوين، حيث ترتكز على:

  • التدبير بالنتائج.

  • الشفافية.

  • ربط المسؤولية بالمحاسبة.

  • اللامركزية واللاتمركز.

  • المشاركة والتشاور.

  • تقييم الأداء.

وفي هذا الإطار، تم تعزيز اختصاصات الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية، مع منح المؤسسات التعليمية هامشًا أكبر من الاستقلالية في إعداد مشاريعها التربوية، بما ينسجم مع خصوصياتها المحلية.

سابعاً: المرجعيات الدولية المؤثرة في المنظومة

إلى جانب المرجعيات الوطنية، تستند السياسة التعليمية المغربية إلى عدد من المرجعيات الدولية، من أهمها:

  • الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أكد الحق في التعليم.

  • اتفاقية حقوق الطفل التي تنص على إلزامية التعليم الأساسي.

  • أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، خاصة الهدف الرابع المتعلق بضمان تعليم جيد ومنصف وشامل للجميع.

  • توصيات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) المتعلقة بجودة التعليم والتعلم مدى الحياة.

وقد انعكس هذا الانفتاح على السياسات الوطنية من خلال تعزيز التعليم الدامج، والمساواة بين الجنسين، والرقمنة، وتحسين جودة التعلمات.

ثامناً: أهمية المرجعيات القانونية والتنظيمية

تكتسي المرجعيات القانونية والتنظيمية أهمية كبيرة، لأنها:

  • تضمن استقرار المنظومة التعليمية.

  • تحدد حقوق وواجبات جميع الفاعلين.

  • توحد أساليب التدبير والتسيير.

  • توفر إطارًا قانونيًا للإصلاحات.

  • تعزز الحكامة الجيدة والشفافية.

  • تضمن جودة الخدمات التعليمية.

  • تحقق الإنصاف وتكافؤ الفرص بين جميع المتعلمين.

كما تساعد هذه المرجعيات على مواجهة الاختلالات التي قد تعرفها المنظومة، من خلال توفير آليات قانونية للتقويم والمساءلة والتطوير المستمر.

خاتمة

يتضح أن منظومة التربية والتكوين بالمغرب تستند إلى منظومة متكاملة من المرجعيات القانونية والتنظيمية، تتصدرها أحكام دستور 2011 والقانون الإطار رقم 51.17، مدعومة بالرؤية الاستراتيجية للإصلاح والنصوص التنظيمية الصادرة عن الحكومة ووزارة التربية الوطنية. وقد ساهمت هذه المرجعيات في وضع أسس إصلاح شامل يستهدف بناء مدرسة مغربية حديثة، قادرة على تحقيق الإنصاف والجودة والارتقاء بالفرد والمجتمع.

غير أن نجاح هذه المرجعيات يظل رهينًا بحسن تنزيلها على أرض الواقع، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة، وتعزيز الحكامة، والانخراط الفعلي لجميع المتدخلين في الورش الإصلاحي. فالقوانين وحدها لا تكفي لتحقيق الإصلاح المنشود، وإنما يتطلب الأمر إرادة جماعية، وتعبئة مجتمعية، وتقييماً مستمراً لضمان تحقيق الأهداف الاستراتيجية لمنظومة التربية والتكوين، بما يخدم التنمية الشاملة للمملكة ويعزز تنافسيتها في عالم يتسم بالتغير المتسارع.

تعليقات